علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
170
ثمرات الأوراق
مقدار شكرك للّه تعالى على ما أولاك فيّ ! ثم قالت : السّلام عليكم ، ثم ولّت مسرعة ، فصاحت الخيزران ، فرجعت . قالت زينب : فنهضت إليها الخيزران لتعانقها ، فقالت : ليس فيّ لذلك موضع مع الحال التي أنا عليها ، فقالت الخيزران . فالحمّام إذا ، وأمرت جماعة من جواريها بالدّخول معها إلى الحمّام ، فدخلت وطلبت ماشطة ترمي ما على وجهها من الشّعر . فلمّا خرجت من الحمّام وافتها بالخلع والطّيب ، فأخذت من الثّياب ما أرادت ، ثم تطيّبت ، ثم خرجت إلينا ، فعانقتها الخيزران ، وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي ، ثم قالت الخيزران : هل لك في الطعام ؟ فقالت : واللّه ما فيكن أحوج منّي إليه ، فعجّلوه ، فأتي بالمائدة ، فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت ، ثم غسلنا أيدينا ، فقالت لها الخيزران : من وراءك ممن تعنين به ؟ قالت : ما خارج هذه الدار من بيني وبينه سبب « 1 » . فقالت : إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا ، وتحوّلي لها ما تحتاجين إليه ، ثم لا نفترق إلى الموت . فقامت ، ودارت بها في المقاصير ، فاختارت أوسعها وأنزهها ، ولم تبرح حتى حوّلت إليها جميع ما تحتاج إليه من الفراش والكسوة . قالت زينب : ثم تركناها وخرجنا عنها ، فقالت الخيزران : هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه ، وقد مسّها الضّرّ ، وليس يغسل ما في قلبها إلّا المال ، فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت إليها . وفي غضون ذلك وافى المهديّ ، فسألنا عن الخبر ، فحدّثته الخيزران حديثها ، وما لقيتها به ، فوثب مغضبا وقال للخيزران : هذا مقدار شكر اللّه على أنعمه ، وقد مكّنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها ! فو اللّه لولا محلّك من قلبي لحلفت ألّا أكلمّك أبدا ! فقالت الخيزران : يا أمير المؤمنين ، قد اعتذرت إليها ورضيت ، وفعلت معها كذا وكذا . فلمّا علم المهديّ ذلك قال لخادم كان معه : احمل إليها مائة بدرة ، وادخل إليها ، وأبلغها مني السلام ، وقل لها : واللّه ما سررت في عمري كسروري اليوم ، وقد أوجب عليّ أمير المؤمنين إكرامك ، ولولا أنّه يكره احتشامك « 2 » لحضر إليك مسلّما عليك ، وقاضيا لحقّك .
--> ( 1 ) ط ، المستجاد : « نسب » . ( 2 ) احتشم منه : أخجله .